حسين بن فخر الدين ( ابن معن )
195
التمييز
المذموم من طلبه لنفسه لا لربّه ، ولدنياه لا لآخرته ، فالنّاس إذا على قسمين ؛ عبد طلب الدّنيا للدنيا ، وعبد طلب الدّنيا للآخرة ، وعلى ذلك مجمل الصحابة والسلف الصالحين ، فكلّ ما دخلوا فيه من أسباب الدّنيا فهم بذلك إلى اللّه متقربون وإلى رضاه منتسبون ، لا قاصدون بذلك الدّنيا وزينتها ولا وجود لذّتها . ومن ضعف عن كسب المال اتكل على زاد غيره ، ومن فقد المال قلّت الرغبة إليه ، والرهبة منه ، ومن لم يكن في موضع رغبة / 83 ب / ولا رهبة زهد النّاس فيه واستخفوا به . وقال ابن عباس رضي اللّه عنه : في قوله تعالى وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ « 1 » ، أي أموالا إلى أموالكم « 2 » ، وقد تقرر أن عزّ الدّنيا بالمال وعزّ الآخرة بالأعمال ، وانّما سمّي الفقير فقيرا لانّه نزعت فقرة من ظهره فضعف صلبه عن النهوض في الأمور فلا يقوى على شيء من أمره ، وبقي كالعاطل عن القوّة عاجز عن التّصرّف ، وهو مأخوذ من فقار الظهر . ويقال : الدّراهم مراهم والنقود تحلّ العقود ، وبقدر ما تعطي من المال تعطى من الإجلال ، وفي الأمثال قيمة كلّ امرئ ما معه . ومن شعر بعضهم « 3 » ( الكامل ) إن الدّراهم في المواطن كلّها تكسو الرجال مهابة وجمالا وهي الكلام لمن أراد فصاحة وهي السّلاح لمن أراد قتالا وقال بزرجمهر : من زعم أنّه لا يحبّ المال فهو عندي كاذب حتّى يثبت قوله ، فإن ثبت فهو أحمق . المال نعم الرفيق في الرخاء والمضيق ، وقد سمّى اللّه المال خيرا في قوله تعالى وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ « 4 » أي المال ، وفي قوله سبحانه إِنْ تَرَكَ خَيْراً « 5 » أي مالا . وكلّ ما أدّى إلى الخير فهو خير في نفسه ، ولا تستمال القلوب بمثل المال ، وإنّما سمّي المال مالا لأنه يمال إليه بالطّبع حيث جعل اللّه تيسير
--> ( 1 ) سورة هود : آية ( 52 ) . ( 2 ) اللطائف والظرائف ، ص 34 . ( 3 ) جاءت في نور عثمانية 3755 : بعض الأدباء . ( 4 ) سورة العاديات : آية ( 8 ) . ( 5 ) سورة البقرة : آية ( 180 ) .